إضاءة تاريخية
النشأة...
تتفق معظم المصادر التاريخية على تاريخ
نشأة هذا التنظيم، فقد تم تأسيسه عام 1070 كهيئة خيرية أسسها بعض التجار
الإيطاليين الأمالفيين لرعاية مرضى الحجاج المسيحيين في مستشفى القديس يوحنا قرب
كنيسة القيامة ببيت المقدس.
أطلق على التنظيم في بداياته لقب
"الهوسبيتاليين" Hospitallers أو
فرسان المشفى، لتمييزهم عن تنظيمات فرسان أخرى كانت موجودة على الساحة في ذلك
الحين مثل " "فرسان المعبد" و"الفرسان
التيوتون"...
ومن منطلق
الحرية والأمان الذي كان يعيشه مسيحيوا الأرض المقدسة في ظل الحكم الإسلامي الذي
كانت تخضع له المنطقة، شهد القرن الحادي عشر تزايداً ملحوظاً في أعداد المسيحيين
القادمين من أرجاء القارة المريضة إلى مدينة القدس بصفة حجاج، وهذا ماكان يعمل
عليه رجال الدين في روما في سبيل انتزاع حق إدارة الكنيسة اللاتينية من أيدي
الحكام المسلمين[i].
كان مشفى
"القديس يوحنا" تابعاً لهذه الكنيسة وكان مخصصاً للمرضى والحجاج
المسيحيين، ومن اسم المشفى اشتق اسم الفرسان العاملين بها "فرسان
الإسبارتية" كما اتفق على تعريبه، ولم يلبث أن دخل هؤلاء الإسبرتيين تحت لواء
النظام الديري البندكتي المعروف في غرب أوروبا، وصاروا يتبعون بابا روما مباشرة
بعد أن اعترف البابا باسكال الثاني بتنظيمهم رسميًا في الخامس عشر من شهر شباط عام
1113 حين أعلن البابا باسكال
الثاني Pope Pascal II
التنظيم كتنظيم ديني، واصبح أعضاؤه ملتزمون بالقواعد الأوغسطية Augustinian
rules: العفة، الفقر والطاعة، مما ضمن
لهم دعماً مزدوجاً: تجار أمالفي في إيطاليا، وحكام البروفانس في
فرنسا.
جذورهم إذاً تعود إلى مجموعة الرهبان الذين ارتبطوا
بالمشفى الذي قاموا ببنائه في الأراضي المقدسة لمساعدة الحجاج النصارى للأراضي
المقدسة. وبعد النجاح المؤقت الذي حققوه في الحروب الصليبية تطور هؤلاء من تنظيم
يقدم المساعدات الطبية إلى تنظيم عسكري[ii].
البنية الداخلية للإسبارتيين (الهوسبيتاليين)
عندما قامت الحروب
الصليبية الأولى 1097 م وتم الاستيلاء على القدس أنشأ رئيس المستشفى (جيرارد دي
مارتيز ) تنظيماً منفصلاً أسماه "رهبان مستشفى قديس القدس يوحنا"، وكان
هذا التنظيم
ينقسم إلى ثلاث فئات:
1.
فرسان
العدل: وهم من طبقة النبلاء.
2.
القساوسة :
ويختصون بالناحية الروحية.
3.
إخوان الخدمة:
وهؤلاء طبقة تنفيذية فحسب، لا تتعدى مهامهم
تنفيذ الأوامر الصادرة إليهم.
هذا التقسيم
يقتصر على الأعضاء المنظمين.
هناك أيضاً
أعضاء غير منظمين، يطلق عليهم لقب
"الجوادين"، وهم أعضاء شرف يساهمون في تمويل التنظيم بالتبرعات
والمساهمات الخيرية من أموال وأملاك،
وبفضل هذه الإعانات والتبرعات كبُر شأن فرسان التنظيم إلى أن أصبح كنيسة داخل
كنيسة (حتى أنه يقال أن عُشر دخل كنائس بيت المقدس كان مخصصاً لمساعدة الفرسان
الإسبرتيين أو فرسان القديس يوحنا)[iii].
وفي منتصف القرن الثاني عشر انقسم
التنظيم بشكل رسمي إلى:
-
أخوة محاربين
-
وأخوة يساعدون المرضى
لكنه بقي تنظيماً دينياً يحظى بدعم البابوية
ويتمتع بامتيازات خاصة، منها الإعفاء من الضرائب المتوجب دفعها للبابوية ،
والترخيص له ببناء أبنيته الدينية الخاصة ، فقد كانت خدماتهم جليلة، ولكن مكوثهم
لم يطل...
وكانت هزيمتهم على يد صلاح الدين هزيمة
منكرة...
تاريخ وأحداث..
دورهم في الحرب الصليبية
لا يمكن
إنكار فضل الإسبرتيين على أسيادهم في نجاحهم المحدود في الاستيلاء على الأراضي
المقدسة في الحروب الصليبية الأولى 1097 ميلادي، فقد لعب هؤلاء، بحكم درايتهم
بأحوال المنطقة، بعد أن طال مكوثهم فيها، دوراً هاماً بتعزيز القوة الصليبية فيها،
وخاصة بعد أن تحولوا إلى نظام فرسان عسكريين على يد "ريموند دو بوي"
(خليفة مارتينز رئيسهم الأول) الذي أعاد تشكيل التنظيم على أساس عسكري مسلح باركه
البابا "أرنوست الثاني" 1130م، حتى قيل: إن الفضل في بقاء مدينة القدس
في يد الصليبيين واستمرار الحيوية في الجيوش الصليبية يعود بالأساس إلى هؤلاء
المرتزقة أي فرسان الاستبارية أو الهوسبتاليين إلى جانب فرسان المعبد(Templars)..[iv] سنأتي على
ذكرهم لاحقاً ببعض التفصيل.
وكان هذا التنظيم يتخذ
لنفسه لباساً عسكرياً مميزاً في حربه مع المسلمين وهو عباءة سوداء مزدانة بصليب
أبيض كبير.
هزيمة... وهروب...
كان عام 1187 عاماً كارثياً
بالنسبة للإسبرتيين أو الهوسبيتاليين، فقد شهد ذاك العام هزيمتهم المنكرة على يد
القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي في حرب عقائدية هزمت فيها عقيدة الخير عقيدة
الشر والفساد...
هرب الفرسان الصليبيون بتنظيماتهم المختلفة من
بيت المقدس بعد الهزيمة التي أوقعها فيهم القائد صلاح الدين الأيوبي في موقعة حطين
1187 ميلادي عائدين من حيث أتو، مع بقايا
يحرسون المصالح إلى أن كان سقوط عكا عام 1291 حيث طردوا نهائياً من بلا
الشام: فكانت وجهاتهم كالتالي:
·
فرسان
التيوتون نحو شمال أوربا، وبالتحديد على
شواطئ البلطيكي .
·
فرسان
المعبد نحو جنوب أوربا، وبالتحديد إلى
فرنسا حيث قضى عليهم الملك فيليب الرابع (الأشقر ). 1307 – 1314 كما سنرى لاحقاً.
·
فرسان
المشفى "الإسبرتيين" أو فرسان مالطا كما يعرفون اليوم، كانت نقلاتهم
متتابعة: صور، المرج (في ليبيا)، عكا، ثم
استقروا في قبرص (ليماسول) 1291م.
قرصنة من
قبرص واستيلاء على رودس..
ومن قبرص استمر فرسان الإسبتارية في مناوشة المسلمين عن طريق الرحلات
البحرية ومارسوا أعمال القرصنة ضد سفن المسلمين، إلا أن المقام لم يطب لهم هناك
فعمد رئيسهم (وليم دي فاليت) للتخطيط لاحتلال رودس وأخذها من العرب المسلمين وهو
ماقام به أخوه وخليفته (توك دي فاليت) في حرب صليبية خاصة (1310 -1308) ليصبح اسم
نظام الفرسان الجديد (التنظيم السيادي لرودوس) أو (التنظيم السامي لفرسان رودوس). في
رودوس أنشأ تنظيم الإسبتاريين مراكزه الرئيسة وازدادت قوته ونفوذه، خاصة بعد أن تم
حل تنظيم فرسان المعبد وآلت بعض ثرواته للإسبتاريين.[v]
من رودس إلى مالطا
لم يدع المسلمون الأتراك الإسبرتيين
يهنؤون بمقامهم في جزيرة رودس، خاصة مع تزايد عمليات القرصنة التي كان ينفذها
الصليبيون على سفنهم، فبدؤوا بشن الهجمات تارة وبفرض الحصار تارة أخرى (أهم
حصارين: 1310 و 1480)، إلى أن اضطر رئيسهم فيليب دو فيليه دو لويل آدم Philippe de Villiers de l’Isle Adam للاستسلام 1522 والخروج من الجزيرة عام 1522
ليتفرق الإسبرتيون ما بين سيفليل/ اسبانبا، وكاندي في سيلان، وروما في إيطاليا.
إلا أن أسيادهم
لم يرق لهم هذا التشرذم، فقرروا تجميعهم من جديد.
انتعاش..!
وفي خطوة للمّ
الشمل منح الإسبان الإسبرتيين حق السيادة
على جزيرة مالطا بقرار ملكي أصدره الملك "شارك كنت" في الرابع والعشرين
من شهر آذار لعام 1530 ميلادي، إضافة إلى بعض الجزر الأخرى مثل دي جوزوا وكومين/
وسميت الوثيقة التي منحوا هذه الجزر بموجبها بوثيقة "شارك كنت"؛ ومع هذا
الوطن الجديد اكتسب الإسبرتيين أو الهوسبيتاليين اسمهم الجديد "فرسان
مالطا"، وأطلقوا على تنظيمهم اسم "النظام السيادي لفرسان مالطا"،
وكان هذا في السادس والعشرين من شهر تشرين الأول لعام 1530 .
تمكن السيد
الأعظم "جان دي لا فاييت" رئيس الفرسان من تقوية دفاعاته وحصونه في وجه
المسلمين الأتراك، وقام ببناء مدينة فاليتا (عاصمة مالطا حالياً) التي أطلق عليها
اسمه، واستأنف نشاط التنظيم في القرصنة[vi]
والاستيلاء على ثروات المسلمين التي أصبحت فيما بعد العمود الفقري لثروتهم التي
دعمتهم في فترة السبات أو الكمون التي قاربت القرنين...
تميزت هذه
المرحلة بعداء التنظيم الشديد للمسلمين، وربما كانت أشد الأوقات حلكة في تلك
الفترة، المجزرة التي ارتكبها الصليبيون بحق الأتراك.
امتيازات الفترة
Ø
تنازل الملك
لويس الرابع عشر للتنظيم عن مجموعة من الجزر في الأنتيل، منها : سان بار ماكيلي،
سان كوزوا، وكان ذلك عام 1652، وصدّق على التنازل عام 1653.
Ø
بمباركة
الكنيسة سلّم الملك شارلكان ملك اسبانيا مدينة طرابلس/ ليبيا للفرسان في شهر تموز
من عام 1535 ميلادي (محرم 942).
Ø
أصبح النظام
يتمتع بحماية:
ü
الامبراطورية
الرومانية
ü
والكرسي
الرسولي
ü
فرنسا
ü
اسبانيا
وهذا يعني ببساطة الاعتراف بالسيادة الشخصية للسيد الأعظم
"للتنظيم أو رئيس الفرسان".
انهيار
الدولة... تشرذم من جديد على يد الفرنسيين
بعد الثورة الفرنسية 1789 غزا الفرنسيون
إيطاليا، مما أفقد الفرسان الصليبيون ممتلكاتهم وامتيازاتهم في فرنسا وإيطاليا،
ومن ثم في جزيرة مالطا التي طردهم منها نابليون
أثناء حملته على مصر عام 1798 ميلادي، ، هنا دخل هؤلاء في مرحلة التشرذم... أقام
الفرسان في إيطاليا بعد خروجهم من مالطا، وبالرغم من الإقرار بعودة الجزيرة
للفرسان بموجب اتفاقية أمنيس Amiens 1802 ابرمت بعد استيلاء الأميرال نلسون على الجزيرة
من الفرنسيين، إلا أن كونغرس فاليتا (عاصمة مالطا) أسند إدارة الجزيرة
للامبراطورية البريطانية، ليتفرق الصليبيون من جديد في عدد من الاتجاهات: سان بطرس
بيرغ، كاتينيا، فيرارا، روما، والولايات المتحدة التي شهدت استفاقتهم المدوية[vii]...




No comments:
Post a Comment